ابن عبد البر
235
الدرر في اختصار المغازي والسير
صلى اللّه عليه وسلم - أن مكة لم يحلّ فيها القتال لأحد قبله ، ولا يحلّ لأحد بعده ، وإنما حلّ له القتال فيها ساعة من نهار ، ثم عادت كحرمتها بالأمس ، لا يسفك فيها دم . ومن أحسن ما روى من خطبته مختصرا ما رواه يحيى بن سعيد الأموي وغيره ، عن محمد بن إسحاق ، عن يحيى ابن عبّاد بن عبد اللّه بن الزبير عن أبيه : أمر نبي اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ربيعة بن أمية بن خلف ، فوقف تحت صدر راحلة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وكان رجلا صيّتا « 1 » ، فقال : يا ربيعة قل : يا أيها الناس إن نبىّ اللّه يقول لكم : أتدرون أىّ بلد هذا ؟ وأي شهر هذا ؟ وأي يوم هذا ؟ فنادى بذلك ، فقال الناس : نعم هذا البلد الحرام والشهر الحرام ، فقال : إن اللّه حرّم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة بلدكم هذا وكحرمة شهركم هذا وكحرمة يومكم هذا ، ثم قال : اللهم اشهد . أيها الناس ( إنما النّسىء « 2 » زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا يحلّونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرّم اللّه ) ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض و ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ ) منها أربعة حرم : الثلاثة متوالية ، ورجب مفرد الذي بين جمادى / وشعبان . ألا هل بلّغت ؟ فيقول الناس : نعم . قال اللهم اشهد . وتوقعت الأنصار أن يبقى النبيّ - عليه السلام - بمكة ، فأخبرهم أن المحيا محياهم وأن الممات مماتهم . ومرّ - عليه السلام - بفضالة بن عمير بن الملوّح الليثي ، وهو عازم على الفتك برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال له : ما تحدّث به نفسك ؟ قال : لا شيء كنت أذكر اللّه عزّ وجلّ ، فضحك النبيّ عليه السلام ، وقال : أستغفر اللّه لك ، ووضع يده - عليه السلام - على صدر فضالة ، فكان فضالة يقول : واللّه ما رفع يده عن صدري حتى ما أجد على ظهر الأرض أحبّ إلىّ منه . وهرب صفوان بن أمية إلى اليمن ، فاتبعه عمير بن وهب الجمحي بتأمين رسول اللّه -
--> ( 1 ) صيتا : بعيد الصوت . ( 2 ) النسىء : التأجيل ويراد به تأجيل بعض الأشهر الحرم وهي المذكورة فيما بعد ، وكانوا ربما أخروها جملة أو اخروا بعضها وخاصة شهر المحرم ، إذ كان كثيرون يحلونه عاما ويحرمونه عاما . ويقال إن كنانة هي التي كانت تصنع ذلك .